النووي
35
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ : طَلِّقْنِي ، فَقَالَ : طَلَّقْتُ فَاطِمَةَ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْتُ فَاطِمَةَ أُخْرَى ، طُلِّقَتْ ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِدَلَالَةِ الْحَالِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً : طُلِّقَتْ فَاطِمَةُ ، ثُمَّ قَالَ : نَوَيْتُ أُخْرَى . وَقَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا سَبَقَ ، أَنَّ السُّؤَالَ لَا يُلْحِقُ الْكِنَايَةَ بِالصَّرِيحِ . وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ : طَلَّقْتُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ نَوَى ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَرْأَةِ ذِكْرٌ وَلَا دَلَالَةٌ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ : امْرَأَتِي وَنَوَى الطَّلَاقَ ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِوَلِيِّ امْرَأَتِهِ : زَوِّجْهَا ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْفِرَاقِ . وَلَوْ قَالَ لَهَا : انْكَحِي ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا ، لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ أَنْ تَنْكِحَ ، وَلَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) . قُلْتُ : الصَّوَابُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ إِذَا خَاطَبَهَا بِهِ ، بِخِلَافِ الْوَلِيِّ ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا نُقِلَ مِنْ مُعَلَّقَاتِ الْقَاضِي شُرَيْحٍ الرُّويَانِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ ، مَا حَكَاهُ عَنْ جَدِّهِ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَحْلَلْتُكِ وَنَوَى طَلَاقَهَا ، هَلْ هُوَ كِنَايَةٌ ؟ وَجْهَانِ . قُلْتُ : الْأَصَحُّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْتِ بَائِنٌ وَطَالِقٌ ، يُرْجَعُ إِلَى نِيَّتِهِ فِي « بَائِنٍ » ، وَلَا يُجْعَلُ قَوْلُهُ : « وَطَالِقٌ » تَفْسِيرًا لَهُ . وَأَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ كِنَايَةً ، كَقَوْلِهِ : اعْتَدِّي اعْتَدِّي اعْتَدِّي ، وَنَوَى الطَّلَاقَ ، فَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ ، فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ، فَقَوْلَانِ . وَلَوْ كَانَتِ الْأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً ، وَنَوَى بِهَا الطَّلَاقَ ، وَقَعَ بِكُلِّ لَفْظَةٍ طَلْقَةٌ . وَإِنَّ الْقَفَّالَ قَطَعَ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : طُلِّقَتْ ، وَنَوَى امْرَأَتَهُ ، لَمْ تُطَلَّقْ لِعَدَمِ الْإِشَارَةِ وَالِاسْمِ .